IMLebanon

دبل تسلك درب صليبها: كما في السلم كذلك بالحرب

كتب طوني عطية في “نداء الوطن”:

أيها المسيح، ألقِ صليبك جانباً، إسترح في جُمعتك العظيمة بتضحياتها وفدائها… ها قرى الجنوب تحمله عنك، تسير جلجلتها على طريقٍ رسمها الآخرون لها. فكما حَمَلْتَ خطايا العالم وأنت المنزّه عن كلّ إثم، هي أيضاً تتكبّد حروب الآخرين والبريئة منها في آن. اليوم، وكما في محطّات تاريخية سابقة، لا يحيي الجنوبيون عموماً والمسيحيون خصوصاً في دبل وعين إبل ورميش والقوزح وعلما الشعب والقليعة ومرجعيون، ذكرى آلام المسيح، بل يختبرونها ويعاينونها بلحمهم الحيّ، مع كل ضربة ومع «هزّات المنازل» جرّاء الغارات.

تتجسّد جراحات المصلوب في خوف الأهالي على فلذات أكبادهم، في دموعهم المخنوقة خلف عيونهم، في آهاتهم المحبوسة داخل حلقهم، معلّقين على خشبة بين الحياة والموت، متروكين من دولة تخلّت عنهم وعن ذاتها. مرّ عليهم جلّادون كثر، ذاقوا مرارة الأيام وخلّها على أنواعها. نزحوا وتهجّروا. في الحقيقة، أصبحت بيوتهم صلباناً مزروعة. لكنهم لن يركعوا، ولن تسرق الحروب والطوفانات موعد اللقاء مع سيّدهم. لن يتركوه وحيداً، فالصليب كما يقول كاهن بلدة دبل الأب فادي فلفلي هو «علامة ارتفاع وانتصار».

يُحافظ أهل دبل على تقليدٍ قديمٍ. قرّروا اليوم ألا يتخلّوا عن درب الصليب الذي يتميّزون به منذ القرن الماضي، مستقطباً أهالي الجوار والقاطنين في بيروت والمغتربين الذين يوقّتون فرصتهم لتتناسب مع هذه المناسبة. تعود القصّة إلى العام 1975، إذ مع اشتداد الأحداث الدموية في لبنان وتعرّض البلدة للقصف والقنص آنذاك، تحاشى أبناء الرعية التجمّعات والمناسبات الدينية. ثمّ عندما خفّت حدّة الاشتباكات في العام 1979، إرتأت لجنة مؤلّفة من خادم رعية دبل السابق الأب يعقوب ناصيف، وبعض الراهبات كالأخت آنج المعراوي، والأخت ستيفاني عتمة، إضافة إلى جمعيات شبابية وفاعلين في هذا الشأن كالأستاذين ميشال حنّا وبطرس غالي، تنظيم مسيرة في شوارع البلدة، حيث يتبرّع الشبان والشابات لتجسيد أدوار: المسيح، مريم العذراء، يوحنا الحبيب، اللصّين، الجنود والجلّادين، بنات أورشليم، ماسحة وجه المسيح القديسة فيرونيكا، الرسل، سمعان القيرواني، بيلاطس، وغيرهم من الشخصيات. يسلكون والشعب خلفهم مراحل الصليب الـ14 التي تتوزّع على منازل البلدة وحاراتها، حيث يتمّ وضع صورة الأيقونة التي تُجسّد المرحلة أمام مدخل البيت ليمرّ به موكب المؤمنين. أمّا مرحلة الصلب فتكون في ساحة كنيسة مار جرجس الأثرية، على أن تقام رتبة جنّاز المسيح في كنيسة مار جرجس الكبيرة.

يؤكّد الأب فلفلي مواصلة النشاطات الروحية كافة، «كما كانت في السلم، كذلك في الحرب»، لافتاً إلى أنه خلال تواصله مع الفاعليات وأبناء الرعية المقيمين داخلها وخارجها، لمس إصرارهم على إحياء المسيرة في ظلّ هذه الأحداث أكثر من أي وقت مضى. وأضاف أنّ التنسيق يتمّ مع الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية والبلدية كالمعتاد. أما قوّات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)، فقرّرت ولترتيبات أمنية خاصة بها هذه السنة عدم المشاركة. ولفت فلفلي إلى أن العديد من أهلها الساكنين في بيروت سيتوجّهون اليوم إلى بلدتهم للمشاركة في الزياح أو لقضاء عطلة الأعياد. وبانتظار أي هدنة قريبة أو حلّ نهائي للحرب الدائرة، سيلتقي الأحبّة والأصدقاء، سيجمع درب الصليب شمل العائلات ولو موّقتاً.

اليوم، كما في الأمس والغد، سيمرّ المسيح في حاراتهم وبين حقولهم، سيمشي معهم، يحمل أطفالهم، يُلامس تجاعيد شيوخهم المرسومة بخطوط الزمان والدهور. سيشدّ عزيمة الشباب والرجال. سينظر إلى كلّ واحد منهم، مردّداً ما يعجز البشر عن قوله: «لا تخافوا أنا معكم». يعلمون أن وعده لا تزيله سماوات ولا أرض. هنا زارهم قبل ألفي عام، بشّرهم وعلّمهم نام في أفياء قريتهم وبين ربوعها. يعرفهم جيّداً حتى شهد للمرأة الكنعانية «يا امرأة عظيم إيمانك». ولو أراد أن يُصلب مجدّداً، فسيختار طريقهم، وسينتصب شهيداً منتصراً قائماً فوق تلالهم.