IMLebanon

أرقام قطع الحساب ستُظهر المخالفات الماليّة مُنذ العام 1993

 

تعود مسألة الحسابات الى السنين الاولى لما بعد اتفاق الطائف1991/1992، حيث كان من المفترض على الحكومة آنذاك القيام باجراء قطع الحساب الا انها تذرعت وقتها بعدم وجود مستندات وان البلاد لاتزال في حالة لملمة جراح والخروج من مرحلة الحرب، ما دفعها الى تقديم مشروع قانون اسقاط واجب تقديم الحساب الى المجلس النيابي والذي وافق عليه فورا. ثم تلت هذه المخالفة ما هو اعظم حيث عمدت وزارة المالية آنذاك الى تصفير ميزان المداخيل بدءاً من 1/1/ 1993 ما يطرح تساؤلات عن مصير الأموال التي تم التصرف بها بعد محو جداولها في الخزينة العامة.

خبير مالي عمل في وزارة المالية طوال فترة ما يعرف بحقبة فؤاد السنيورة في المالية العامة، أكد الى تراكم الاخطاء والممارسات الخاطئة لهذه المرحلة والعمل الفوضوي في اجراء قطع الحساب منذ 1993، حيث كان يلجأ السنيورة الى فريق خاص به وغير تابع لوزارة المالية لاجراء الحسابات ويشير هنا الخبير الى ان اقل ما يمكن قوله هو ارتكاب اخطاء جسيمة في تجميعها وصولا الى حرية التصرف بالحسابات وحصول ارتكابات. ويضيف المصدر ان غياب المكننة عن الوزارة الى العام 1997، وسوء حال المستندات (متلفة، او مرمية في الارض بشكل فوضوي) وغياب بعضها 1993/1996 سهل ايضا عملية التلاعب بالحسابات والمال العام.

ولدى سؤاله عن مخالفات اخرى ارتكبت في حقبة السنيورة، يؤكد الخبير ان 90% من الهبات الواردة الى لبنان من 1993 الى 2011 غير مسجلة ومعظمها عندما كان السنيورة رئيساً للحكومة والتي تصل الى 4 مليار دولار اميركي. ويضيف، لم تقف الامور عند هذا الحد، فهنالك عدد كبير من سلفات الخزينة التي اعطيت ولم ترد للخزينة وهي تتعدى قيمة الهبات المذكورة آنفاً، دون ان ننسى الاعداد الكبيرة للحوالات التي صدرت اكثر من مرة، كتلك التي نشرتها «الديار» في السابق عن الدفاع المدني.

قطع الحساب والمخالفات

بعد الجولة العامة على المخالفات والارتكابات التي حصلت بحق المالية العامة والدولة، ولتوضيح المصطلحات للرأي العام، لا بد من تحديد القصد من «قطع الحساب».

بداية، تقوم وزارة المالية بادراج ما يعرف بحساب المهمة وهو يتضمن عمليات الدولة المالية كافة، ثم يستخرج منه قطع حساب موازنة سنة معينة من الانفاق والايراد ليتم ارساله الى ديوان المحاسبة ليصادق عليه ثم الى مجلس النواب ليجري قطع الحساب.

هذا في الاصول، اما حقيقة ما كان يجري منذ عام 1993 الى عام 2003، هو تقديم قطع حساب مليء بالاخطاء ما كان يستدعي رفض ديوان المحاسبة المصادقة عليه، غير ان مجلس النواب كان يصوت على قطع الحساب من خلال مخرج بأن المجلس سيصحح الارقام عندما ينتهي ديوان المحاسبة من درس الارقام والتصديق عليها. الا ان الاخير كان يرفض الارقام من اساسها ولم يكن يدرسها كما كانت تدعي وزارة المال آنذاك. وكان يحاول وزير المال السنيورة ان يوهم المجلس النيابي ان الاخطاء والفوارق في الارقام صغيرة، الا ان الخبير يؤكد ان المستندات تدل على وجود فوارق كبيرة في الارقام واقل ما يمكن ان يقال سوء ادارة وصولا الى عمليات مالية مشبوهة. وكان يحاول وزير السنيورة وفريقه يسعيان دائماً الى تمرير قوانين – تسوية لحسابات السنوات 1993 الى 2010، وآخرها كان تقديم وزير المال السابق ريا الحسن «نصف صفحة» لتسوية حسابات السنين التي تم ذكرها آنفاً. وعند اكتشاف احد المستشارين ان المجموع خاطئ، وقعت حرب ضروس بين الحسن ومدير عام وزارة المالية آلان بيفاني، اذ اصرت الحسن على تسوية الحسابات بينما اصر بيفاني على اعادة تجميع الحسابات وانجازها.

اصرار بيفاني ادى الى اعادة تكوين شبه كامل للحسابات، وتم الاعلان عن تقدم العمل عدة مرات، ومثالاً حديث بيفاني لـ«الديار» عن اعادة تكوين ميزان الدخول منذ عام 1993 وحل مسألة كافة قيود التسوية، حديث وزير المالية الحالي على حسن خليل عن ان فرق الوزارة انجز معظم الحسابات واصبح بالامكان خلال فترة معقولة تقديم كامل الحسابات الصحيحة للدولة وهذا الامر سيصحح سنوات طويلة من الممارسات الخاطئة في المالية العامة، وسيدحض قول السنيورة عن عدم امكانية اجراء الحسابات. ويذكر الخبير انه في التسعينات، نصح السينورة بعدم تراكم السنوات دون اجراء الحسابات نظراً للصعوبة القصوى باعادة تكوينها ولكنه لم يفهم آنذاك، سبب تجاهل السنيورة لنصائحه ومحاولاته العديدة لتسوية الحسابات.

الحسابات و قضية الـ 11 ملياراً

عند انجاز الحسابات المالية للدولة سوف يعرف اللبنانيون اين انفقت اموالهم وكم كانت مستويات العجز الفعلية في هذه السنوات وغيرها من المؤشرات الهامة بالاضافة الى عودة المسار الدستوري الذي يلزم الدولة باقرار الحسابات المالية قبل نشر الموازنة. اما ما يعرف بقضية الـ11 ملياراً والرقم الحقيقي يتخطاه بكثير، فهي مسألة مختلفة عن تدقيق واجراء الحسابات وان كان البعض يحاول دمجها مع مسألة قطع الحساب. اذ ان قطع الحساب مرتبط كما ذكرنا سابقا بحسن ادارة الدولة المالية وصحة الانفاق والجباية والمحاسبة. وعند تبيان ارقامه، يمكن ان يكشف عن سوء ادارة واستخدام السلطة والتطاول على المال العام. اما مسألة الـ11 ملياراً فهي مرتبطة بانفاق الحكومة ورئيسها في سنين محددة لمبالغ من المال العام دون اذن من مجلس النواب وهذا يشكل مخالفة دستورية ولا علاقة لها باموال منفقة دون قيود. المخالفة دستورية بامتياز عبر تخطي القوانين والاعراف في عدم الرجوع الى المؤسسات. وعندما كان سأل السنيورة وفريقه عن الموضوع، الجواب ان مجلس النواب كان مقفلاً بسبب الاحداث السياسية آنذاك وعلى الدولة ان تنفق، غير ان فترة اقفال المجلس النيابي لم تتعدَّ السنة بينما الصرف امتد لـ4 سنوات دون الرجوع الى البرلمان.

وفي السياق ذاته، يحلو للبعض المزج بين الاخطاء في الحسابات المالية للدولة وقضية الـ11 مليار دولار، اذ ان اي تسوية للـ11 مليار هي فقط لمسامحة السنيورة على الصرف دون قانون  بينما الاخير يريد ان يعفى من «الاخطاء» في الحسابات المالية على مر السنين بـ«ضهر» الـ11 مليار دولار. وهنا يؤكد الخبير المالي ان على الناس والمعنيين انتظار الفظائع المالية والحسابية عندما تنتهي وزارة المالية من اعداد قطع الحساب اذ مجرد المقارنة بين الارقام القديمة والجديدة ستظهر حجم المخالفات والارتكابات. كما لا يخفي الخبير ان اعادة تجميع الحسابات من عام 1993 حتى الان عمل جبار يامتياز.

العهد والقضاء والمحاسبة

عند الانتهاء من قطع الحساب ستظهر الارتكابات والمخالفات بحق المالية العامة واموال الدولة، فهل سيطالب الرئيس ميشال عون بفتح تحقيق مالي لمحاسبة المرتكبين على غرار فتح التحقيق في احداث عرسال؟ خصوصاً ان الارقام واضحة ولا مجال لدحضها او التشكيك بها. وهل سيتحرك القضاء في هذا المجال؟ وهل سيتحمل المجلس النيابي مسؤوليته السياسية والتاريخية تجاه الشعب والدستور ويطالب بمحاسبة المخالفين والمرتكبين؟ الايام ستظهر لنا.