IMLebanon

أوراق التوت اللبنانية!

ما بين صباح الجمعة الخامس عشر من تموز الذي طلع على مجزرة نيس الفرنسية، وليل الجمعة الخامس عشر من تموز ومحاولة الانقلاب التركيّة سقطت أوراق التوت عن «العورات اللبنانيّة» وأكّدت أن الواقع اللبناني يتحرّك بسرعة نحو عودة انقسام طائفي يكاد يدفعنا إلى التحذير من خطر سيدهم لبنان مع أيّ تفجير طائفيّ صغير، كنتُ أميل إلى الظنّ بأن حال حزب الله هي الحال الطائفيّة والمذهبيّة الوحيدة في لبنان، كان الخوف من انفجار مذهبي سُنيّ ـ شيعيّ، فإذا إرهاب نيس وانقلاب تركيا يُعريّان الواقع وعن طريق الصدفة!!

حتى يوم الجمعة الماضي، كنتُ من أكثر المصدّقين أن الوحدة الوطنيّة التي تجلّت في يوم 14 آذار العام 2005 ما زالت باقية وبكامل عافيتها، حتى اصطدمت بواقع مخيف يؤكّد أنّ «ما كان كان وذهب في خبر كان»، وأن أعترف أنّ حال انقسام حادٍ ضربت عصب 14 آذار المسيحي ـ الإسلامي، وأن هستيريا من الفلتان والاعتداءات اللفظية طاولت المسلمين والمسيحيين من مواطنيهم المسيحيين والمسلمين والذين يُفترض أنّهم حلفاء الأمس وبلغة فيها الكثير من العدوانية، وأيقظت بعضها ذاكرة الحرب الأهليّة واستدعتها، وكان أخطرها استخدام صورة من صور الحرب الأهليّة في لحظة لا تحتمل هذا الأمر، خصوصاً وأن هذا تاريخ تجاوزناه، وهنا نسأل أي فرق بين مسؤول أو مناصر لتيار معيّن عندما يستخدم نفس أسلوب حزب الله لشقّ صفوف جمهور الرابع عشر من آذار، هذا الخطأ الجسيم استدعى خطأً أكبر منه بكثير، بلغ حدّ الاعتداء على الإسلام وعلى المسلمين مسّت المشاعر الدينيّة والإنسانيّة لكثيرين ـ وأنا منهم ـ من غير سبب واضح ولا مبرّر مفهوم،   فجأة انفتحت جبهة كيل شتائم للمسلمين ولدينهم ونعتهم بأوصاف لو تحرّك ضابطة جرائم المعلوماتيّة لضبطها لأحيل الكثير منهم ـ من الطرفين ـ إلى القضاء بتهمة المسّ بالمشاعر الدينية وإهانة الدّين، وزعزعة السّلم الأهلي، وتعريض لبنان لمخاطر انقسام طائفي، ورقة التوت المتآكلة التي سقطت دفعتني للتفكير مليّاً، هل كانت الوحدة التي تجلّت بعد الرابع عشر من شباط العام 2005 حقيقيّة، أم كانت موجةً ركبها كلّ فريق ليصل إلى أهداف بعينها، ثم عادوا فريق تلو الآخر إلى قواعده وتكتّله وطائفيته وعصبياته؟!

كلّ هذا اندلع بسبب عمليّة إرهابيّة ارتكبها مواطن فرنسي من أصل تونسي، حتى الفرنسيون عموماً لم يشتموا الإسلام والمسلمين، بينما انبرى لهذه المهمّة مسيحيّون لبنانيّون وبمستوىً ربما لم نشهده أيام الحرب الأهليّة، وهذا إنذار بخطر كبير وشديد ما لم يتم ضبط هذه العقول الساخنة والمنفلتة من عقالها خصوصاً وأنّها تجعل المواطن اللبناني المسلم يُفكّر مئة مرّة: إذا كان هؤلاء يفكّرون بهذه الطريقة، فليعد كلّ منا إلى قوقعته و»ضبضبوا» هذا التكاذب الوطني المتبادل و»بلا شراكة بلا بلوط»!!

وللمفارقة لم يكد يحلّ  ليل الجمعة، حتى كانت الطامّة أدهى وأمرّ، فقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي صراع بين مسلمي لبنان أنفسهم ما بين مؤيد للانقلاب في تركيا على رجب طيب أردوغان وبين رافض له «يرفع أكفّ الضراعة» ليحمي الله أردوغان ويحرسه ويحمي حكمه وكأنّ مصير الإسلام والمسلمين مرتبط بأردوغان!!

لم ينفع حتى أن تكون محايداً في تلك اللحظة التي تتطلب حياداً لفهم ما يحدث على الأقل، خصوصاً إذا كنتَ تتبعت أردوغان وبهورته وعنترياته من سفينة مرمرة إلى إسقاط الطائرة الروسيّة، وقد أسفرا الأسبوع الماضي عن تطبيعه علاقات تركيا مع إسرائيل وتقديم اعتذاره للرئيس الروسي، خصوصاً وأنني أنظر بعيْن الريبة والشك إلى تدخله السافر في شأن مصر وشعبها ورفضه خيار شعبها ورفضه لحكم الإخوان ومحاولات حثيثه لزعزعة استقرارها، حتى الذي أراد أن يكون محايداً لم يسلم من شن هجوم عليه!! وكان السبب الوحيد لهذا التشنّج هو «النكاية» ببشار الأسد وحزب الله وابتهاجهما، وهذا أمر إن دلّ على شيء فهو يدلّ إن المؤيد والمعارض «ما بيتخيروا عن بعضن»!! مع ملاحظة أن رجب طيب أردوغان لم يفعل شيئاً للشعب السوري، ولم يطلق طلقة واحدة دفاعاً عن الذين يقتلون في سوريا يومياً!!

للأسف الشديد اللبنانيون يتلهّون بأحداث العالم ويمعنون في قسمة أنفسهم إلى فرقٍ متفرقّة، تتكاذب وتتقارب، إلا أنّها لا تلبث أن تسفر عن وجه لبنانيّ مفزع لم يتغيّر، نحن دائماً على استعداد للعودة إلى لحظة نخرّب فيها بيوتنا وعيشنا المشترك بأيدينا، ومن أجل الآخرين!!