IMLebanon

بدء الاستكشاف لا يجعل من لبنان بلداً نفطياً

 

 

 

أطلّ رئيس الجمهوريّة في رسالةٍ رسميّة دعا فيها اللبنانيّين إلى التفاؤل في ظلّ الظروف الاقتصاديّة القاتمة، إثر اعلانه أنّ لبنان دخل رسمياً نادي الدول النفطية قُبيل بدئ عمليّة الاستكشاف، وأشار أنّ استخراج النفط والغاز سيكون أحد الحلول الإنقاذية للبلاد.

 

إلّا أنّ الحديث عن وضع لبنان على الخارطة النفطية أو الإشارة إلى دخوله نادي الدول النفطية هو سابقٌ لأوانه، لأنّ حفر البئر الأوّل لا يحوّل لبنان إلى بلد نفطي وذلك لاعتبارات تقنيّة وتجاريّة وسياسيّة، ما يضع هذا الإعلان في خانة استثمار سياسي أكثر منه اقتصادي، وفي محاولة لتسجيل انجاز سياسيّ قبل انقضاء الولاية الرئاسيّة. ونظراً لما يجري في الشارع من مظاهرات واستياء تجاه الطّبقة السّياسيّة برمّتها، هناك محاولة لأن يُقال أنّ حدثاً مهماً تمّ في عهد الرئيس ميشال عون، وان الإنجاز حصل بسبب جهود الوزير باسيل، الساعي لرئاسة الجمهوريّة.

 

واللافت كان في استهلال رسالة عون بمقطع مُجيّر لتعويم صهره وزير الطاقة الأسبق، الأمر الذي اثار استهجان عدد كبير من اللبنانيّين الذين اعتبروا أن رئيس الجمهوريّة توجّه لهم كرئيس لتكتل نيابيّ وليس كرئيس لكل اللبنانيين، وأنّه يستغلّ إطلاق أعمال حفر أوّل بئر نفطي ليعيد الاعتبار لصهره الفاقد الصدقية والمصداقيّة، والذي يعتبره اللبنانيّون مسؤولاً مع من تولوا حقيبة الطاقة بعده عن نصف الديون التي يرزح تحتها الشعب وعن العتمة التي يعيشونها.

 

لبنان يبدأ لتوّه رحلته في مغامر النفط والغاز، مع الاستعداد لإطلاق عملية الاستكشاف وحفر البئر الاستكشافي وإيجاد المواد النفطية، وهي عملية تحتاج قرابة السّنَة قبل أن تبدأ مرحلة تقييم البئر. وحفر البئر التقييمي لتحديد كمية ونوعية المواد القابلة للاستخراج يحتاج قرابة السّنَة أيضاً. وإذا تبيّن وجود غاز بكميات تجارية حينها يقوم تجمّع الشركات النفطية –الكونسورتيوم – بدراسة الجدوى التجاريّة للمشروع خلال سنَة، يتّخذ خلالها قراره بالاستثمار تبعاً للجدوى التجاريّة. وبعدها تبدأ عملية تطوير البئر، وهي عملية تحتاج قرابة الخمس سنوات من أجل الانتهاء من تصميم المنصة الاستخراجية والبنى التحتية، ما يعني أن استخراج النفط والغاز لن يبدأ قبل ٢٠٢٩ إذا أتت النتائج ايجابيّة. أما في حال تبيّن خلو البئر من الكمّيات التجارية، فتنتقل عمليّة الحفر الى بقعة أخرى ما يعني مزيداً من التأخير.

 

لذلك فإنّ حفر أول بئر استكشافي في البحر لا يعني إيجاد غاز أو نفط، ولا يمكن اليوم الحديث عن الثروة النفطيّة بوصفها أحد الحلول الإنقاذية للبنان. وحتّى لو تمّت عمليّة الاستخراج، يبقى تخوّف اللبنانيّين من ان يطال الفساد والهدر هذا القطاع الجديد، وأن يُصار الى الهيمنة عليه، وسط أسئلة عمّا آل اليه «الصندوق السيادي» وحماية القطاع لمصلحة الأجيال ومواجهة الأعباء المالية. من هنا أهميّة انشاء الشركة الوطنية للبترول من اجل إدارة ثروة لبنان النفطيّة والمشاركة في الأنشطة البتروليّة البحريّة والبرّية واكتساب الخبرات. اضافةً الى إنشاء صندوق سيادي من قبل الدّولة المنتجة تودع فيه العائدات المحصلة عن الأنشطة البترولية والحقوق البترولية. ويكون الصندوق السيادي تحت سيطرة هيئة مستقلّة شبه حكوميّة تقدم تقاريرها مباشرة الى السلطة التنفيذية.

 

كما أنّ مسألة دخول لبنان النادي النفطي ليست مرتبطة باكتشاف آبار النفط والغاز، بل بقدرة لبنان على تأمين السوق الدولية لتصديره، سواء من داخل أو خارج منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، وهي قضية سياسية بامتياز ينبغي العمل على تذليل عقباتها في ظلّ التهديد الإسرائيلي الدائم والمحاولات الدائمة للاستيلاء على ثروات لبنان. وقبل ذلك كلّه ينبغي على لبنان أنّ يقوم بتأمين الموارد البشرية اللبنانيّة الكفوءة والمختصة والخبرات اللازمة، التي ستكون قادرة على التعامل هندسياً وادارياً للنهوض بهذا القطاع. وهناك تخوّف من عدم وجود العدد الكافي من العمال المهنيين الماهرين لتلبية حاجات القطاع من الاعمال المهنية اليدوية، مثل نقل وتركيب الانابيب وتلحيم الحديد وعمل البناء.

 

بالنتيجة مشوار لبنان النفطي طويل ويحتاج لخطة طويلة الأمد، وعليه يتطلّع اللبنانيّون الى مقاربة هذا الملفّ المهمّ بالكثير من الشفافية والموضوعية والدقة، لا أن يُستخدم بخفّة لتسجيل انجاز سياسيّ وهميّ.