IMLebanon

ثالوث يَجمع لبنان واليونان… فهل يغرق مركب التعاون في بحر الإنتظار؟

تُشعِرك أثينا بأنك لم تغادر بيروت، وما الرحلة لأقلِّ مِن ساعتين بالطائرة إلّا نزهة من الميناء في طرابلس إلى الناقورة في الجنوب، البحر والطبيعة الجبلية وطيبة الناس ومشرقيتهم الكنَسية والقيمية تجعلك واحداً منهم.

ففي الأصل، من بلاد الإغريق انطلقَ مركب الفلسفة الذي حطّ على شواطئ مناهجِنا الدراسية ومن معينِه غرفنا، هذا فضلاً عن الألحان الموسيقية التي تصدَح في المطاعم والتي تكاد لا تخلو أغنية لبنانية من اقتباسٍ منها.

أمّا أبعد من العاطفة والشعور، رغم أهمّيتهما وانعكاسهما على بقية الجوانب، فإنّ ما يَجمع لبنان باليونان اليوم ثالوثٌ من الهموم التي تكاد تتحوّل كابوساً، بدءاً بالنزوح، إلى المديونية، فالإرهاب شاغل الدنيا والناس.

تحتلّ مسألة الهجرة غير الشرعية للّاجئين سلّمَ هموم الحكومة اليونانية، كما يكشف وزير الملاحة وإدارة الجزر اليوناني بانغتوس كورومبلس الخارج للتوّ مِن وزارة الداخلية إلى وزارةٍ لا يخلو منها الطابع الأمني لارتباطها بالشواطئ التي تحوّلت مقابرَ جماعية للسوريين والعراقيين وبعض اللبنانيين الهاربين تحت عباءة السوريين وبأوراق مزوّرة.

وفي الأرقام يطالعك الوزير الذي يمتلك بصيرةً وحكمة عالية رغم فقدانه نعمةَ البصر في تجربة نادرة لتولّي وزير «كفيف» أبرزَ الحقائب الوزارية، من العدل إلى الداخلية فالملاحة وإدارة الجزر «أنّ خَفر الشواطئ أنقذوا ما يقارب الـ١٥٠ ألف نازح غالبيتُهم من الأطفال والنسوة.

ويُكاشفك الوزير المستضيف أنّ بلاده وعلى الرغم من الضائقة المالية التي تعاني منها، إلّا أنّها لم تُغلق شواطئها في وجه مراكب البائسين الهاربين من لعبة الموت الدموية والمجازر التي ينفّذها «داعش» وأخواته.

فالمنطق اليوناني الرسمي ليس مجرّداً من الشعور الإنساني كحال كثُر من الجهات الإقليمية والدولية المثقَلة بثقافة المادية على حساب القيَم الإنسانية.

وكلّما تعمّقَ الوزير اليوناني أكثر في حديثه عن مسألة النزوح تَطابقَ نصّ شكواه مع ما يعانيه لبنان من ملفّ هو نفسُه لدينا، حيث تَجاوز عدد النازحين، خصوصاً السوريين المليون ونصف المليون.

فتشعر كما لو أنّك تستمع بصوت وزير الملاحة وإدارة الجزر اليوناني لنصّ سَطّره وزير خارجيتنا جبران باسيل الصادح في عواصم القرار حول هَمّ النزوح ولكن من دون مجيب!

ومِن ملف النزوح الى الإرهاب شاغل ليس اليونان وحسب بل كلّ القارة الأوروبية والعالم، يتقاطع الحديث مرّة جديدة بين الحال اللبنانية واليونانية مع حضور طيف الجيش اللبناني وبحريّته فضلاً عن الأجهزة الأمنية ونجاحاتها المختلفة، وبالذات لجهاز الأمن العام الذي دشّن في عهد اللواء عباس ابراهيم عهد الأمن الاستباقي، فحضَر طيف اللواء في محضر الحوار لِما حقّقه من نجاح تخطّى أسوارَ الكيان الصغير الذي لا تتجاوز مساحته جزيرة تائهة في بحر المتوسط، ففي العاصمة أثينا حطّت الأخبار عن تحذيرات مسبَقة وصلت لعواصم أوروبية من جهاز الأمن العام عن تفاصيل لعمليات إرهابية خطرة وقعت بالفعل.

ومن النزوح والإرهاب الى المديونية ثالث الثالوث المشترك بين لبنان واليونان، فبلد الجزر يغرَق في أزمة مديونية عامّة حوّلته الى كيان مرهون لكبرى المصارف والدول، في لوحةٍ تُحاكي التجربة اللبنانية مع فارق التفوّق في إدارة وهندسة الملفّ من حاكمية المصرف المركزي اللبناني، ما حالَ دون الانهيار الاقتصادي للبلد حتى الساعة.

وبعيداً عن المصائب المشتركة بسوداويتها، تَحضر السيرة البيضاء للسفارة اللبنانية في العاصمة أثينا على ألسِنة المسؤولين اليونانيين ومن تلتقي بهم من أبناء الجالية اللبنانية والعربية في ثناءٍ على الأداء رغم غياب سفيرٍ لبلاد الأرز في أثينا و توَلّي القائمة بالأعمال للمهام.

وعليه، هل سيَجرؤ أهل القرار في لبنان على طَرق أبواب عاصمة الإغريق التي يَجمعنا بها ثالوث: النزوح، الإرهاب، والمديونية، مستفيدين من شرايين ضَخّت فيها بعض الدماء، ليُقلعَ مركب التنسيق؟

سؤال يحتاج لإجابة من خارج نصوص الإتيكيت والديبلوماسية، ولعلّ أولى الخطوات الواجبة تعيينُ سفير يجيد فكَّ رموز الشيفرة الإغريقية ويَملأ فراغاً وجبَ طَيُّ صفحته مع إغلاق كتاب الشغور بوصول الرئيس ميشال عون الى بعبدا، ولماذا لا نشهد قمّةً رئاسية لبنانية – يونانية واتّفاقات ثنائية، سواء بين الوزارات المعنية أو القوى العسكرية، خصوصاً البحرية، فضلاً عن الأجهزة الأمنية، فالجيران أولى بطرقِ الأبواب.

وعليه وبالعين المجرّدة، يمكن الجزم أنّ أبواب بناء أفضلِ العلاقات بين لبنان واليونان مشرّعة، وما على أصحاب القرار سوى الإقلاع بمركب الإرادة، علّنا نرسو عند شاطئ أكثر أمناً.