ما يحصل في سويسرا بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران هو في نظر المتابعين والمحلّلين الموضوعيِّين، إعادة هندسة سياسية-أمنية في منطقة الشرق الأوسط، تتجاوز مرحلة ما قبل مذكّرة التفاهم بين البلدَين التي أُقرّت في إسلام آباد. ويعتبر المحلّلون، أنّ واشنطن، من خلال هذه المذكّرة، قد اعترفت بأنّ إيران دولة وازنة على المستويَين الدولي والإقليمي، بعد تعثّر عملية الإحتواء والتهميش ومحاولة إسقاط النظام فيها، وثباتها في وجه الحصار الذي استهدفها.
ويضيف هؤلاء، أنّ الواقعية السياسية تحمل على الاستنتاج، أنّ المذكّرة ستفتح الباب أمام واقع جديد ترسو عليه إيران التي جنت العديد من الفوائد من الاتفاق مع الولايات المتحدة، الذي سيُدخلها في نظام إقليمي تشترك فيه مع جيرانها العرب وغير العرب، يكون لها فيه دور محوري بالحفاظ على الاستقرار وإرساء قواعد نظام دولي، يُعيد تمركز القوى وإنتاج دورة اقتصادية عالمية، تخلف حال الركود القائمة راهناً.
لكنّ ذلك بحسب التقارير الواردة، يقتضي من طهران مراجعة العديد من الملفات، من دون أن يكون المطلوب منها تنازلات استراتيجية، ولا التخلّي عن حلفائها الذين يُطلِق عليهم أخصامهم توصيف «الأذرع»، من اليمن إلى لبنان مروراً بالعراق. خصوصاً أنّ دخول دول الخليج طرفاً في المحور الجديد سيوسّع رقعة المناطق العازلة من حول إيران، ويعزّز سلامة حدودها مع العالم العربي، بتمدّد هذه المناطق نحو العراق وسوريا، فيتشكّل قوس آمن يقيها من المفاجآت.
أخبارلبنان
وتضيف التقارير، أنّ هذا الدور الجديد لطهران سيتمظهر من خلال الإقرار الأميركي خصوصاً والعربي والغربي عموماً، من حيث المبدأ، بحقّها في إدارة مضيق هرمز بالشراكة مع سلطنة عُمان، وقبول التفاوض حول استخدامها الورقة النووية لأغراض إنسانية وإقتصادية، عدا الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمّدة في مصارف خارجية. على أنّ ذلك لن يكون مجّانياً، بل يُتوقّع أن يرتبط بتغيير نوعية الدعم للـ«أذرع» وشكله، وإمكان انخراطها في منظومات الدول التي تنشط فيها، لا أن تكون كيانات موازية أو رديفة داخل بلدانها.
ويظن المحلّلون، أنّ طهران قد تميل إلى النموذج الذي فرضته نتائج حربها في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وسجّلت فيها غير نقطة لمصلحتها، لأنّ إمكانات الاستثمار في النتائج أوسع بكثير من تمديد المواجهة والذهاب فيها بعيداً على رغم من النجاحات التي حقّقتها. وبالتالي، فإنّها لا تميل إلى النموذج الكوري الشمالي بعزلته شبه التامة دولياً.
ختاماً: يُكتَب في سويسرا فصل جديد، يشهد لمرحلة انتقالية من حال إلى حال يصعب التكهّن بمآلاتها، لكنّها مرحلة لا توصد أبواب الأمل.