IMLebanon

ملحم بركات الصرخة الأخيرة وكلمات غير منشورة!

melhem-barakat

 

كتبت رنا اسطيح في “الجمهورية”:

كتبتُ العنوان ومحوتُه أكثر من مرّة منذ 22 آب 2016. الصيغة الأخيرة التي كنت استقرّيت عليها تقول: “الموسيقار في المرض أيضاً جبّار”. محوت السطر، بدأت من جديد، ثمّ طويت الصفحة وقرّرت ألّا أنشر الكلام، نزولاً عند طلب الموسيقار ورغبته عدم الحديث عن مرضه في الإعلام.كان خبر وفاة سمير يزبك قد انتشر للتوّ عندما اتصلت بأبو مجد لاستصراحه آراءه في صاحب الصوت الكبير وأغوص معه في ألبوم الذكريات. لم أكن أتخيّل أنّ تلك الفسحة السخيّة التي منحني إياها الموسيقار ستكون هي نفسها أداة التعبير عمّا يعتريه هو من هواجس وأوجاع إنسانية وفنّية ووطنية.

لم أكن أعرف أنها ستكون الفسحة التي يُطلق فيها الموسيقار الصرخة الأخيرة، وكأنه بها مطلق رصاصة الرحمة على لاوعينا ولا مبالاتنا وجحودنا وتلك العيون الزجاجية المتحجّرة والشاخصة إلى شاشاتها من دون أن تعتريها أيّ رجفة إزاء ما تكتب أو ما تقرأ على حدّ سواء.

رحل موسيقار لبنان الأوّل أمس تاركاً ثروة فنّية لا تُختَصر بكلمات. أغنيات حفرت عميقاً في الذاكرة وإبداعات لحنيّة استقت من نبع الأصالة وحلّقت بالأغنية اللبنانية نحو التجديد. رحل الثائر المشاغب وصانع الفرح.

ارتحل العبقري المجنون بحبّ أغنيته وعاشق الموسيقى المولع بأرضه وفنّه. لَيمون كفرشيما سيشتاق إلى رائحة الحنين التي كان يتبادلها مع ابن الضيعة الوفي. عُد أبو مجد، عُد، الربيع لن يتأخر هذه السنة! قد يبدو بعيداً الآن إلّا أنه يحفظ مواعيده معك كما كلّ عام.

يا ليت العمر كان أكثرَ سخاءً عليك وعلينا: يوم واحد إضافي في حياتك كان سيعني فرصة جديدة لنا لننعم بلحن أو أغنية أو إبداع أو على الأقل بضحكتك المدوّية وتلك الابتسامة الذكية.

عندما اتصلت بالموسيقار لأسأله عن سمير يزبك صاحب الصوت الموجوع، كانت نقمته واضحة إزاء وضع الفنان في لبنان وإزاء الإنسان في هذا البلد وحقوقه التي تهدر أكثر وأكثر مع كلّ طلعة شمس.

قال: “مللنا العودة مرّات ومرّات خلال هذه السنوات إلى تقصير الدولة. الموضوع نفسه يتكرّر ولا مَن يلتفت إلى الفنان وإلى الإنسان. مَن يمرض في هذا البلد، الدولة تفاقم مرضه وأوجاعه لا تصدقوا أنّ أحداً يلتفت… وكأننا نعيش في غابة”.

أسأله ماذا نفقد برحيل الكبار وماذا يعوّض هذا الغياب، قبل أن أعرف أنّ الرحيل سيلتحق به أيضاً ويسرقه من بيننا فيقول: “اتمنّى أن نستطيع أن نعوّض عن لبنان نفسه. أنا حزين على هذا البلد “ضيعانو” و”ضيعان” فنانيه… دولتنا مريضة والكلّ يضطّلع بدور المتفرّج ونحن نتحسّر على وضعنا ونعيش في خوف من القادم والمجهول. ونسأل إلى أين نحن ذاهبون؟ وهذا أخطر ما في الأمر”.

وأضاف بحرقة: “نحن نعيش في بلد يُذَلّ الناس فيه بكراماتهم ولا يهتمّ أيّ مسؤول فيه لوجع فنان أو لحاجاته في مرضه وألمه. نعيش في بلد نرى ذيله ولا نعرف أين يقبع رأسه. ما من فنان مهم رحل إلّا بسبب التقصير والإهمال. الفنانون في لبنان مهمَلون إلى أقصى الحدود بينما كلّ دول العالم تبذل كلّ المجهود المطلوب لحماية كرامة الفنان والمحافظة عليها في حياته”.

وبحسرة يقول: “ليس هناك نقابات تعمل بشكل صحيح… الكلّ يطلق النظريات ويحاضر بالأخلاق ولا من نقابة تتحرّك للدفاع عن حقوق الفنانين… مللنا الحديث عن هذا الواقع المرير والمقيت الذي نعيش فيه ولكنّ سمير يزبك رحل متروكاً وأنا رجل متروك”!

صاحب الإبداعات التي لا تُنتسى في الأغنية الوطنية والذي شدا برائعة “موعدنا أرضك يا بلدنا” قال: “لديّ منازل في أميركا وأستطيع ان أهاجر في أية لحظة وأن أعيش بكلّ كرامة هناك، ولكنني أحبّ هذه الأرض وأعشق لبنان ولا تسعفني رجلاي حتى وإن أردت الرحيل.

نعشق هذا البلد ولكنّ بعض الزعران سيجبروننا أن نكفر به ونهجره. وإلى أين نغادر وكيف نعيش؟ أمضينا عمرنا هنا. وأنا أزهقت أكثر من 50 عاماً لأصنع الإسم الذي صنعته، فهل أجرؤ على الرحيل وترك كلّ شيء من أجل “كم أزعري”!

ويضيف: “في لبنان ليس من المفروض أن يكون هناك فقر أو أن يكون هناك إنسان فقير، فكلّ بيت في لبنان بيت الخير والكرم، لا يمكن أن نطرق باباً إلّا ونقابَل بالكرم والضيافة، ولكنهم لا يسمحون لنا بالشعور براحة البال وأن نعيش بكرامتنا. وهذا حق حق حق. وأنا قلتها منذ 30 عاماً: الشعب اللبناني لن يتوحّد في حياته ما دامت تنخره الطائفية”!

وعن رأيه بأصوات الجيل الجديد قال: “أنا لست الوحيد صاحب الصوت الجميل فهناك الكثير من الأصوات الجميلة الصاعدة والواعدة وانا أتمنّى أن يهتمّوا بلغتهم ولحنهم وهويتهم اللبنانية قبل أي شيء آخر وأن يحافظوا على هذه الهوية الفنّية والوطنية”.

وعند سؤاله عن رأيه بغناء شيرين عبد الوهاب في بعلبك يقول: “لا أريد أن اتحدّث في هذا الموضوع وعلى مهرجانات بعلبك أن تقرّر إن كانت تريد تحويل مسرح بعلبك إلى مسرح غنائي عادي أو أن يعيدوه إلى مجد المسرحيات الغنائية الضخمة التي صنعت ألقه، مع علمي بصعوبة تحقيق هذا الأمر في زمننا. في لبنان فنانون وفنانات جيدون وكانت هناك حركة فنّية هذا العام و”ليكثر الله من نساء المسؤولين اللواتي يبادرن إلى إقامة المهرجانات في لبنان”.

وعند سؤاله عن جديده، قال: “حالياً أعاني من “ديسك” في ظهري وأنا متضايق. إنشاء الله سأعالجه. إنشا الله خير”!

ودّعني ليعاود الاتصال بعد قليل متمنّياً عدم نشر خبر مرضه كان يعلم أن الأمر سيتمّ إعطاؤه أكثر من حجمه. هو تمنّى وأنا التزمت، ولكن يبدو أنّ غيري لم يفعل! أسابيع قليلة وسيرة المرض على كلّ لسان، وأخبار تتناهش “الموسيقار” وهو في سرير المرض. تهويل وفبركة وتحليلات وقتل غير رحيم لعملاق بقي جبّاراً حتى في الألم. سامحني يا “أستاذ”، الصرخة يجب أن تصل!