كتبت ساسيليا ضومط في صحيفة “الجمهورية”: إلتقيتها بعد ظهر ذاك اليوم، تتمايل بفرح وراحة، شككت بأنني أرى امرأة تشبهها إذ لم تتعوّد عيناي على تلك الإبتسامة التي تظهر على ملامحها، هي التي تتفجّر غضباً ونقمة بسبب خلافات وصراعات متتالية مع إخوتها منذ سنوات طويلة، حول الميراث والممتلكات. ألقت علي التحية، وعلى غير عادة، لم تبادر إلى الشكوى. شعرتُ هذه المرّة بأنني أرغب بمحادثتها، إيجابيتها المُستحدَثة جذبتني، فسألتها عن سبب كل هذا التغيير فقالت: «تعبتُ من التمسّك بالمعاناة والمشاعر السلبية، لاحظتُ بأنني كنت أتركها تعذبني، تمزقني، وتحرمني من الشعور بالأمان، فقررتُ أن أسامحَهم، وليس ذلك لمصلحتهم بل من أجل نفسي، لا لمزيد من الحقد والكراهية والإنتقام، قررتُ أن أعيش بسلام، تعبت».
هل يُتعب الغضبُ والكرهُ والحقدُ صاحبَه؟ كيف يمكن استبدالُ المشاعر السلبية بالإيجابية؟ لماذا نشعرُ بالسلام والراحة والرضا عندما نغفر ونسامح؟ وكيف نبلغ مرحلة التسامح ونسيطر على الإنفعال والرغبة بتدمير الآخر؟
مراحلُ وظروفٌ كثيرة نمرّ بها، تُشعرنا بالغضب والكره ورفض الآخر، وأحياناً الميل الجامح إلى أذيته وتدميره تماماً. قد يتسبّب لنا الآخر بخسارة وظيفة، بسجن، إفلاس، أو حتّى يضعنا في موقف محرج أمام أشخاص معيّنين. كما نلاحظ غالباً هذه المشاعر السلبية عارمة إثر فقدان أحد المقربين، وكم من مرة سمعنا التهديد والوعيد بجعل من تسبّب بالوفاة يتذوق طعم الخسارة نفسها؟
تأثير المشاعر السلبية على صاحبها
في مراحل الحياة الصعبة التي ذكرنا، نشعر بالغضب، الكره، الحقد، الرغبة في تدمير الآخر، العدوانية والعنف. يغلب علينا التوتر، القلق، الضغط النفسي وصولاً إلى الإكتئاب.
وتترافق كل هذه الإنفعالات والمشاعر السلبية بأعراض نفس-جسدية، فيعاني الشخص الحاقد، الغاضب من تعب شديد، وآلام في كافة أنحاء جسمه، يترافق مع اضطرابات في النوم والشهية، بالإضافة إلى الشعور بالدوار، الغثيان، وارتفاع في درجات الحرارة. كما أنّ شدّة القلق والإنفعال والغضب ترتبط بشكل مباشر بصحّة القلب، ضغط الدم، السكري والكولستيرول، أي ما يهدّد حياة الإنسان في كل لحظة.
أما المسامحة، فهي القدرة على تخطّي ما ينتج عن الأزمات والصراعات التي نتعرّض لها. هي أن نحيا بسلامٍ مع أنفسنا ومع الآخر، تسيطر علينا المشاعرُ الإيجابية، متحلّين بالتفهّم وحسن التعاطي مع الغير، من خلال استيعاب الأحداث ومسبّباتها، ظروف الآخر ودوافعه للتصرّف بهذه الطريقة أو تلك.
المسامحةُ هي القدرة على التحلّي بالوعي الكافي والرؤية الموضوعية للمستجدات، وبالتالي تحكيم العقل والمنطق في إصدار الأحكام، والتحلّي بمرونة واضحة في طريقة التعاطي وإيجاد حلول للمشكلات.
نلتقي أحياناً بأناس طالت فترةُ حقدهم وانقطاعهم عن آخرين، وبالتالي عن الفرح والسرور والودّ، نراهم فقدوا الثقة بأكثرية المحيطين جراء حادثة معيّنة، يخافون التعرّض لما يشبه ما آلمهم في السابق، وما زالوا يتعايشون مع هذا الألم. لا يملك هؤلاء الأشخاص الجرأة والشجاعة للوصول إلى مسامحة مَن أخطأ بحقهم، بل يدورون دائماً في فلك المشكلة والألم والمعاناة.
هم عاجزون عن مسامحة أنفسهم لكونهم سمحوا بما حدث دون تغيير المصير. يظنّ مَن يتمسّك بعدم المسامحة بأنه قد يُتهم بأنه ضعيف وجبان، أو بأنه لا يملك القدرة على الإنتقام، أو بأنه غبي، سوف يظلمه الغير ويعتدي عليه لو سامحه. وقد لا نسامح أحياناً كعقاب ورفض لمَن أخطأ بحرمانه من حبنا له، كما يشعرنا الغضب والكره بالسيطرة على الموقف مقابل مَن اعتدى علينا.
إنّ عدم القدرة على المسامحة يُغرِق صاحبه بشعور العجز والضعف، عدم الثقة وتقدير الذات. يترافق مع المشاعر السلبية والدوران الدائم حولها عبر الكلام عن سبب الألم النفسي والتحليل السلبي لسلوكيات الجميع، فاقداً كل ما له صلة بالطموح والنجاح والإقدام. ويعتمد هذا الشخص دائماً لومَ النفس والغير، ويُبدع في الإنتقاد، كما يميل إلى الثأر والإنتقام. وقد يكون التمسّكُ بعدم المسامحة دعوةً غيرَ مباشرة للطرف الآخر إلى الإعتذار.
كيف نخرج من دائرة الحقد؟
للتوصّل إلى المسامحة والسلام الداخلي لا بدّ بدايةً من وجود الرغبة بإجراء التغيير النوعي في حياتنا وذلك عبر الوعي الإرادي للضرر الذي سبّبه لنا الحقد والكره والغضب والأفكار والمشاعر السلبية. يتبع ذلك اتّخاذ القرار بالإبتعاد عمّا سبق تعداده، من ثمّ السعي لبلوغ مرحلة المسامحة والمصالحة مع الذات، وتقبّل ذلك برضا وثبات.
إلّا أنّ ذلك لا يتمّ بعد مشاعر الحقد والظلم عبر السكوت والتغاضي عن الأخطاء وكبت المشاعر، بل بتجنّب التراكمات، عبر الإعتراف بالحقائق، والعمل على عدم تكرارها، للتمكّن من فتح صفحة جديدة.
نخدم بالتسامح أنفسنا قبل أن نخدمَ الآخر، نتحرّر من الشعور بالذنب، بالخزي والخجل والفشل. يرسم التسامح طريقنا نحو النجاح، يحفّزنا على البدء من جديد بعد الخسارة. يحسّن التسامح مزاجَنا ويُشعرنا بالسعادة، التفاؤل والتفكير الإيجابي، يملؤنا بطاقة السعي والتعلّم والتقدّم.
يتحلّى الشخص المتسامح بالثقة بالنفس وتقدير الذات، على رغم الخسارة، لديه قدرة على تخطي المصاعب والتجارب السيّئة، ما يبعده من المشكلات والإضطرابات النفسية. بالمسامحة نعيش الحرّية والمساواة مع الآخر.
بإمكان الجميع عدم المسامحة، والعيش في تجارب الماضي، واعتماد شريعة الغاب، لكنّ الثمنَ يكون باهظاً جداً، أقلّه عدم الإستقرار النفسي، عدم الرغبة بالحياة، الغرق في المشاعر المدمّرة والسلبية والحرمان من الشعور بالرضا والفرح والحب، وينعكس كل ذلك على المحيط القريب للشخص الحاقد مُسبِّباً معاناةً لا تنتهي.