نصرالله وخيارات الانتحار الجماعي… (بقلم رولا حداد)

قبل أيام أقدم المواطن جورج زريق من الكورة على إضرام النار بجسده منتحراً أمام مدرسة ولديه بسبب عجزه عن تسديد الأقساط المدرسية المتوجبة، وبسبب عجرفة إدارة المدرسة، فلم يجد أمامه غير الانتحار!

وفي خلفية انتحار ابن الكورة أكثر من سبب، ومنها حتماً طريقة تعاطي إدارة مدرسة بكفتين معه، لكن السبب الحقيقي الأول يكمن في الضائقة الاقتصادية الخانقة التي جعلته غير قادر على الإنتاج بما يكفي لتسديد المستحقات عليه، من تكاليف حياة شهرية وصولاً إلى أقساط المدرسة وغيرها، فأقدم على خطوة الانتحار الأليمة. وبغض النظر عن قيمة أقساط المدرسة لولديه، لو كان يعمل ويؤمن المدخول اللازم لما كان وصل الى هذا القرار المخيف.

وفي الحقيقة أننا كلبنانيين، وبعد ولادة الحكومة الجديدة، وعلى عكس موجات التفاؤل التي أعقبت صدور مراسيم التشكيل، بدأنا نقلق من مسار عبّر عنه كلام الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله يمكن أن يوصلنا جميعاً إلى الانتحار الفعلي، الانتحار اقتصاديا ومالياً واجتماعياً، والانتحار شخصياً بأشكاله المختلفة بسبب الكارثة التي يمكن أن تقودنا إليها سياسات نصرالله.

وبكل وضوح، إن أي تعاطي رسمي مع إيران على الصعد الاقتصادية والمالية والتجارية، وأي محاولة لاستيراد أي نوع من البضائع من إيران، سواء عسكرية كالسلاح وغيرها، وسواء على صعيد الكهربا أو حتى الدواء، أي تعاطي من أي نوع فيه خرق للعقوبات الأميركية على إيران، سيعني حكماً فرض عقوبات على لبنان اقتصادية ومالية ومصرفية، ما قد يهدد بعزل النظام المصرفي اللبناني عن النظام العالمي ويمنع أي إمكانية للتحاويل المالية والمصرفية من وإلى لبنان، فيمنعنا من الاستيراد والتصدير، وينهار نظامنا المصرفي وقيمة عملتنا… وعندها ستصبح حتماً حالات الانتحار مثل جورج زريق بالمئات وربما بالآلاف لا سمح الله.

إن دعوات السيد نصرالله في خطابه الأخير تفتقد إلى الحد الآدنى من العقلانية ومن فهم النظام العالمي على الصعد السياسية والمالية والاقتصادية، كما ينمّ عن توجه انتحاري في الاقتصاد والمال على طريقة كتيبة “عشّاق الشهادة” التي تشكل جزءًا من منظومة “حزب الله”، أكثر منه عن توجه عقلاني مسؤول!

المفارقة الكبرى أنه وفي حين كان يتحدث نصرالله ويدعو الى الاعتماد على إيران، كان وزير الدفاع في الحكومة الجديدة الوزير الياس بو صعب، والمحسوب على فريق رئيس الجمهورية، في زيارة رسمية الى العاصمة الأميركية واشنطن، حيث كان يشيد بدور الولايات المتحدة الصديقة للبنان في دعم وطننا وجيشنا على كافة المستويات!

إن الحكومة الجديدة تقف على مفترق طرق خطير جداً، وأي خضوع لمحاولات “حزب الله” جرّها إلى المحور الإيراني تحت شعارات برّاقة فارغة، ستؤدي حتماً إلى نتائج كارثية على لبنان وجميع اللبنانيين من دون استثناء. وما ينطبق على الاقتصاد ينطبق على السياسة أيضاً، لأن أي انخراط للبنان في محور الممانعة يعني حكماً مزيداً من العقوبات علينا، وهو ما لا طاقة لأوضاعنا الاقتصادية والمالية على تحمّله. وبعد كلام نصرالله لا بدّ للحكومة مجتمعة أن تتشدد في مراقبة أداء “حزب الله”، وخصوصاً في وزارة الصحة، كي لا يتفرّد بقرارات “صحيّة” كما يتفرّد بقراراته العسكرية، منعاً لانزلاق لبنان نحو سيناريوهات عقابية مشابهة بنتائجها لمغامرة “لو كنتُ أعلم”!

يبقى الحلّ الوحيد والمنطقي الإصرار على سياسة النأي بالنفس عن المحاور والالتزام بالشرعيتين العربية والدولية كخشبة خلاص وحيدة للبنان، بعيداً عن مزايدات السيد نصرالله في الاعتماد على إيران التي تعاني اليوم أسوأ أزمة اقتصادية تعيشها منذ 40 عاماً باعتراف رئيسها حسن روحاني. فهلا نوقف المهاترات قبل نصل إلى مشاهد انتحار جماعية أين منها مشهد الضحية جورج زريق؟!